دعاء الامام السجاد في وداع رمضان


وكان من دعائه (عليه السلام) في وداع شهر رمضان: اللّهُمَّ يا مَنْ لا يَرْغَبُ فِي الجَزاءِ، وَيا مَنْ لا يَنْدَمُ عَلَى العَطاءِ وَيا مَنْ لا يُكافِئُ عَبْدَهُ عَلَى السَّواءِ مِنَّتُكَ ابْتِداءٌ، وَعَفْوُكَ تَفَضُّلٌ، وَعُقُوبَتُكَ عَدْلٌ، وَقَضاؤُكَ خِيَرَةٌ، إِنْ أَعْطَيْتَ لَمْ تَشُبْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدعاء الخامس والأربعون
الشرح: وكان من دعائه (عليه السلام) في وداع شهر رمضان
(اللهم يا من لا يرغب في الجزاء) فإنه سبحانه لا يعطي أحداً شيئاً ليجزيه بعد ذلك، إذ هو غني عن كل شيء (ويا من لا يندم على العطاء) فإذا أعطى أحداً شيئاً لا يندم بعد ذلك لِمَ أعطاه، كما قد يكون المخلوق كذلك (ويا من لا يكافئ عبده على السواء) فإنه لا يعامل المجرمين بالعدل بل الإحسان، كما لا يعامل المحسنين إلا بأزيد من إحسانهم (منتك) أي: عطائك (ابتداء) فإنك تبتدئ بالإحسان إلى الناس (وعفوك تفضل) إذ لا يستحق المجرم العفو (وعقوبتك عدل) إذ لا تعاقب أكثر من الاستحقاق (وقضاؤك خيرة) أي: حكمك باختيار وإرادة لا أنه مجبور كما يقول بعض الفلاسفة من أن صدور الأفعال منه سبحانه كصدور الحرارة من النار (إن أعطيت لم تشب) من شاب يشوب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عَطاءَكَ بِمَنٍّ، وَإنْ مَنَعْتَ لَمْ يَكُنْ مَنْعُكَ تَعَدِّياً، تَشْكُرُ مَنْ شَكَرَكَ وَأَنْتَ أَلْهَمْتَهُ شُكْرَكَ، وَتُكافِئُ مَنْ حَمِدَكَ وَأَنْتَ عَلَّمْتَهُ حَمْدَكَ، تَسْتُرُ عَلى مَنْ لَوْ شِئْتَ فَضَحْتَهُ، وَتَجُودُ عَلى مَنْ لَوْ شِئْتَ مَنَعْتَهُ، وَكِلاهُما أهْلٌ مِنْكَ لِلْفَضيحَةِ وَالمَنْعِ غَيْرَ أَنَّكَ بَنَيْتَ أَفْعالَكَ عَلى التَّفَضُّلِ وَأَجْرَيْتَ قَدْرَتَكَ عَلَى التَّجاوُزِ وَتَلَقَّيْتَ مَنْ عَصاكَ بِالحِلْمِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمعنى خلط (عطاءك بمنّ) فإن الله لا يمن في عطائه، بل يعطي تفضلاً (وإن منعت لم يكن منعك تعدياً) وإنما منعك عن مصلحة (تشكر من شكرك) وشكره سبحانه رضاه عن الشاكر وإعطائه النعمة والجزاء (و) الحال (أنت ألهمته شكرك) إذ الفضائل إنما بإلهام الله تعالى (وتكافئ من حمدك) أي: تعطي النعمة لمن حمدك (و) الحال (أنت علمته حمدك) فإن حمد الإنسان لله تعالى إنما هو بتعليمه تعالى (تستر على من لو شئت فضحته) وأشهرت عصيانه وعيبه (وتجود على من لو شئت منعته) فلست أنت مجبور في الستر والجود، وإنما تفعل ذلك تفضلاً وإحساناً (وكلاهما) الذي تستره وتجود عليه (أهل منك للفضيحة والمنع) لأن المذنب أهل للفضيحة، والإنسان أهل للمنع بشتى أعماله (غير إنك بنيت أفعالك على التفضل) لا على العدل (وأجريت قدرتك على التجاوز) عن المذنبين (وتلقيت من عصاك بالحلم) أي: تلاقيهم بالحلم عنهم وعدم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَمْهَلْتَ مَنْ قَصَدَ لِنَفْسِهِ بِالظُّلْمِ، تَسْتَنْظِرْهُمْ بِأناتِكَ إِلى الإنابَةِ، وَتَتْرُكُ مُعاجَلَتَهُمْ إِلى التَّوْبَةِ لِكَيْلا يَهْلِكَ عَلَيْكَ هالِكُهُمْ، وَلا يَشْقى بِنِعْمَتِكَ شَقِيُّهُمْ إلا عَنْ طُولِ الإعْذارِ إِلَيْهِ، وَبَعْدَ تَرادُفِ الحُجَّةِ عَليْهِ، كَرَماً مِنْ عَفْوِكَ يا كَرِيمُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عقوبتهم (وأمهلت من قصد لنفسه بالظلم) بالظلم متعلق بقصد، أي: تعطي المهلة ولا تعاجل بها بالعقوبة من قصد بالظلم لنفسه، إذ كل ذنب ظلم لنفس الإنسان المذنب، وكان الخطاب باعتبار انتهاء عمل العبد إليه سبحانه حيث إنه المجزي والمحاسب (تستنظرهم بأناتك إلى الإنابة) الأناة: الحلم، فإن حلمه سبحانه كثيراً ما ينتهي إلى توبة المسيء (وتترك معاجلتهم) إذ لا تعاجلهم بالعقوبة وهذا الترك ينتهي (إلى التوبة) من المذنبين (لكيلا يهلك عليك) أي: على يديك ومن جهتك (هالكهم) فإن الهلاك والعذاب إنما يكون بسببهم حيث أذنبوا أولاً ثم لم يتوبوا مع الإمهال ثانياً (ولا يشقى بنعمتك شقيهم) أي: لا يشقى الذي يشقى بسببك وإنما يشقى بخبث باطنه إذ أنت أمهلت له حتى يسعد لكنه تحرك شقاوة وخبثاً (إلا عن طول الإعذار إليه) بأن أعذرت إليه إعذاراً طويلاً حيث بينت له أولاً ثم لم تعاجله ثانياً، فالشقاوة والهلاك بعد طول الإعذار يقال: أعذر إليه، إذا هدده وبين له ثم لم يرعو وتمادى في غيه (وبعد ترادف الحجة عليه) وذكر حجة بعد حجة، كل ذلك ولم يقبل (كرماً من عفوك يا كريم) تفعل ذلك الإعذار وإتمام الحجة بالنسبة إلى المجرمين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَعائِدَةً مِنْ عَطْفِكَ يا حَليمُ، أَنْتَ الَّذي فَتَحْتَ لِعِبادِكَ باباً إلى عَفْوِكَ، وَسَمَّيْتَهُ التَّوْبَةَ، وَجَعَلْتَ عَلَى ذَلِكَ البابِ دَليلاً مِنْ وَحْيِكَ لِئَلاّ يَضِلُّوا عَنْهُ، فَقُلْتَ تَبارَكَ اسْمُكَ: تُوبوُا إلى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ، يَوْمَ لا يُخْزِيَ اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذينَ آمَنوُا مَعَهُ، نُوُرُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وعائدة) أي: صلة (من عطفك يا حليم) لا باستحقاق المجرم لذلك الإمهال والحلم (أنت الذي فتحت لعبادك باباً إلى عفوك وسميته التوبة) إذ من تاب دخل في عفوه سبحانه، فكأنها باب إلى عفوه (وجعلت على ذلك الباب) الذي هو التوبة (دليلاً من وحيك) إذ الوحي أرشد الناس المذنبين إلى إمكان دخولهم في عفوه سبحانه (لئلا يضلوا عنه) أي: عن ذلك الباب، إذا لم يعرفوه (فقلت تبارك اسمك) تبارك أي: دام وثبت، والمراد بالاسم الذات (توبوا إلى الله توبة نصوحاً) وهي التوبة التي لا رجوع عنها (عسى ربكم) أي: لعله سبحانه (أن يكفر عنكم سيئاتكم) تكفير السيئة: إزالتها ومحوها، والإتيان بكلمة [عسى] لإفادة أن قبول التوبة ليس واجباً (ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار) أي: من تحت أشجارها وقصورها، وذلك في (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه) بأن يتركهم وشأنهم ولا ينصرهم في أهوال القيامة (نورهم يسعى بين أيديهم) [1] أي: قدامهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَبِأَيْمانِهِمْ، يَقُولُونَ: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُوْرَنا وَاغْفِرْ لَنا، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ، فَما عُذْرُ مَنْ أَغْفَلَ دُخُولَ ذلِكَ المَنْزِلِ بَعْدَ فَتْحِ البابِ وَإقامَةِ الدَّليلِ، وَأَنْتَّ الَّذي زِدْتَ فِي السَّوْمِ عَلى نَفْسِكَ لِعِبادِكَ، تُرِيدُ رِبْحَهُمْ في مُتاجَرَتِهِمْ لَكَ، وَفَوْزَهُمْ بِالوِفادَةِ عَلَيْكَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وبأيمانهم) أي: من طرف يمينهم، فإن عرصة القيامة مظلمة والعلماء لهم نور في وجوههم يضيء قدامهم وفي أيمانهم من الكتاب الذي أعطوا بيمينهم يضيء طرف يمينهم (يقولون ربنا أتمم لنا نورنا) إما بمعنى إزادته، وإما بمعنى إيصاله إلى نور الجنة بإدخالهم فيها (واغفر لنا) أي: استر ذنوبنا، ومن المعصومين على نحو الخضوع، إذ لا ذنوب لهم (إنك على كل شيء قدير) [2] أقدر على إتمام نورنا والمغفرة لنا.
(فما عذر من أغفل) أي: ترك (دخول ذلك المنزل) وهو عفوك (بعد فتح الباب) أي: باب التوبة، وهذا على سبيل الاستفهام الإنكاري أي: لا عذر لأحد بترك التوبة (وإقامة الدليل) أي: بعد أن أقمت الدليل على أنك فتحت باب التوبة بالوحي، كما تقدم (وأنت) يا رب (الذي زدت في السوم) المساومة المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة (على نفسك لعبادك) بأن جعلت للأعمال القليلة التي يأتون بها أرباحاً كثيرة (تريد ربحهم في متاجرتهم) تجارة أخروية، وهذا بخلاف سائر المتعاملين فإن كلاً منهم يريد الربح لنفسه لا لطرفه (لك) أي: المتاجرة التي هي بينهم وبينك (و) تريد (فوزهم بالوفادة عليك) أي: تريد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَالزِّيادَةِ مِنْكَ، فَقُلْتَ تَبارَكَ اسْمُكَ وَتَعالَيْتَ: مَنْ جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةَ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها، وَقُلْتَ: مَثَلُ الَّذينَ يُنْقِقُونَ أَمْوالَهُمْ في سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ، وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَقُلْتَ مَنْ ذَا الَّذي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن يفوزوا بالثواب عند وفادتهم أي: نزولهم عليك في الآخرة (و) بـ (الزيادة منك) بأن تزيدهم على الثمن الحقيقي لأعمالهم (فقلت تبارك اسمك) أي: دام وثبت ذاتك (وتعاليت) أي: ارتفعت (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) [3] أي: يعطى عشر أمثالها (وقلت: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) والمراد مطلق السبل صدقة أم زكاة أم خمساً أم حجاً أم جهاداً أو إعانة المشاريع الخيرية أم ما أشبه ذلك (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل) جمع سنبلة: وهي العودة التي عليها الحب (في كل سنبلة مائة حبةٍ) من الحنطة أو الشعير أو ما أشبه، فالواحد يكون في قبال سبعمائة (والله يضاعف لمن يشاء) [4] فيعطي بإزاء حسنة واحدة أكثر من سبعمائة حسنة (وقلت: من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) كأن المال للإنسان، وأن إعطائه في سبيل الله قرض له تعالى يستحق المعطي العوض، وكأن المراد بالقرض الحسن: الذي ليس فيه رياء وسمعة ومنة وما أشبه من مبطلات القرض
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافَاً كَثيرةً، وَما أَنْزَلْتَ مِنْ نَظائِرِهِنَّ فِي القُرْآنِ مِنْ تَضاعيفِ الحَسَناتِ، وَأَنْتَ الَّذي دَلَلْتَهُمْ بِقَوْلِكَ مِنْ غَيْبِكَ وَتَرْغِيبِكَ الَّذي فِيهِ حَظُّهُمْ عَلَى ما لَوْ سَتَرْتَهُ عَنْهُمْ لَمْ تُدْرِكْهُ أَبْصارُهُمْ وَلَمْ تَعِهِ أَسْماعُهُمْ، وَلَمْ تَلْحَقْهُ أوْهامُهُمْ، فَقُلْتَ: اذْكُرُوني أَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُروا لي ولا تَكْفُرُونِ وَقُلْتَ: لَئِنْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(فيضاعفه له أضعافاً كثيرةً) [5] في الآخرة (وما أنزلت من نظائرهن) أي: أمثال هذه الآيات (في القرآن) الحكيم كقوله سبحانه: (وإن تك حسنة يضاعفها) [6] وقوله: (من جاء بالحسنة فله خير منها) [7] إلى غيرهما (من تضاعيف الحسنات) أي: جعلها أضعافاً وإعطائها للإنسان المحسن (وأنت) يا رب (الذي دللتهم) إلى رحمتك وفضلك (بقولك من غيبك) أي: الغيب الذي أنت تعلمه ولم يكن أحد يعلمه سواك (وترغيبك الذي فيه) أي: في ذلك الترغيب (حظهم) نصيبهم (على ما لو سترته لم تدركه أبصارهم) [على] متعلق بترغيبك فإنه سبحانه لو ستر الثواب وشبهه عن الناس لم تدرك ذلك أبصارهم حتى يأتوا بسببه وينالوه (ولم تعه أسماعهم) من وعى يعي: بمعنى اشتمل (ولم تلحقه أوهامهم) فإن الوهم إنما يدرك ما هو من جنس المحسوسات، أما الشيء الخارج عنها فلا يدركه (فقلت اذكروني) بالطاعة (أذكركم) بالثواب والجزاء (واشكروا لي) باللسان والجوارح والجوانح (ولا تكفرون) [8] فإن الكفران يوجب ذهاب النعمة (وقلت: لئن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابي لَشَدِيدٌ، وَقُلْتَ: ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِروُنَ عَنْ عِبادَتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ، فَسَمَّيْتَ دُعاءَكَ عِبادَةً، وَتَرْكَهُ اسْتِكْباراً وَتَوَعَّدْتَ عَلى تَرْكِهِ دُخُولَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ، فَذَكَرُوكَ بِمَنِّكَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شكرتم لأزيدنكم) في النعم (ولئن كفرتم) ولم تشكروا فإن الكفر في مثل هذه الأماكن يراد به الكفر العملي كقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) [9] وهذا بخلاف الكفر الاعتقادي الذي هو في الأصول (إن عذابي لشديد) [10] هذا كناية عن تعذيبهم بالعذاب الشديد (وقلت ادعوني أستجب لكم) ومن المعلوم أن الدعاء كالدواء مقتض، والمقتضي إنما يؤثر إذا تجمعت الشرائط معه (إن الذين يستكبرون عن عبادتي) وحيث إن الدعاء من مصاديق العبادة جيء بالكلية المذكورة (إن اللذين) إفادة لما يترتب على ترك الدعاء إذا كان عن استكبار (سيدخلون جهنم داخرين) [11] أي: في حال كونهم أذلاء، من دخر: بمعنى ذل (فسميت دعاءك) إضافة إلى المفعول، أي: دعاء الداعي لك (عبادة وتركه استكباراً) وتأنفاً من أن يتواضع الداعي لله تعالى، وإلا فلم لا يدعو (وتوعدت) هو الوعد بالشيء (على تركه دخول جهنم داخرين) أذلاء، كل ذلك أنت دللت الناس عليها ولولا دلالتك لم يعرفوا (فذكروك بمنك) أي: بلطفك وإحسانك الذي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَشَكَرُوكَ بِفَضْلِكَ، وَدَعَوْكَ بِأَمْرِكَ، وَتَصَدَّقُوا لَكَ طَلَباً لِمَزِيدِكَ وَفِيها كانَتْ نَجَاتُهُمْ مِنْ غَضَبِكَ وَفَوْزُهُمْ بِرِضاكَ، وَلَوْ دَلَّ مَخْلُوقٌ مَخْلُوقاً مِنْ نَفْسِهِ عَلى مِثْلِ الَّذي دَلَلْتَ عَلَيْهِ عِبادَكَ مِنْكَ كانَ مَوْصُوفاً بِالإِحْسانِ، وَمَنْعُوتاً بِالامْتِنانِ، وَمَحْمُوداً بِكُلِّ لِسانٍ، فَلَكَ الحَمْدُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دللتهم على ذكرك (وشكروك بفضلك) حيث أرشدتهم على لزوم شكرك (ودعوك بأمرك) لهم بدعائك لهم في قولك ادعوني أستجب لكم (وتصدقوا لك طلباً لمزيدك) فإن الإنسان إذا أعطى الصدقة لله سبحانه زاده الله مالاً قال سبحانه عن لسان أخوة يوسف: (إن الله يجزي المتصدقين) (وفيها) أي: في تلك الطاعات التي تقدمت (كانت نجاتهم من غضبك) فإنه سبحانه لا يغضب على من أطاع وتعبد (وفوزهم برضاك) أي: أن يفوزوا ويحصلوا على رضاك (ولو دل مخلوق مخلوقاً من نفسه) بأن بيّن الدال صفات نفسه لغيره (على مثل الذي دللت عليه عبادك منك) بأن كان في ذلك المخلوق الدال صفات تشبه صفاتك في العفو واستجابة الدعاء وما أشبه، ثم دل الناس على نفسه (كان موصوفاً بالإحسان) يعني: ذلك المخلوق (ومنعوتاً) أي: موصوفاً (بالامتنان ومحموداً بكل لسان) فكيف بك وأنت إله عظيم الشأن، إذ الدلالة من الكبير للصغير أكثر وقعاً من دلالة الصغير على مثله.
(فلك) يا رب (الحمد) على هذه النعم الجسام، والدلالات العظيمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما وُجِدَ في حَمْدِكَ مَذْهَبٌ وَما بَقِيَ لِلْحَمْدِ لَفْظٌ تُحْمَدُ بِهِ، وَمَعْنىً يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ، يا مَنْ تَحَمَّدَ إِلى عِبادِهِ بِالإحْسانِ وَالفَضْلِ وَغَمَرَهُمْ بِالمَنِّ وَالطَّوْلِ، ما أفْشى فينا نِعْمَتَكَ، وَأَسْبَغَ عَلَيْنا مِنَّتَكَ، وَأَخَصَّنا بِبِرِّكَ!، هَدَيْتَنا لِدينِكَ الَّذي اصْطَفَيْتَ وَمِلَّتِكَ الَّتِي ارْتَضَيْتَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ما وجد في حمدك مذهب) أي: ما دام هناك طريق لحمدك، وهذا كناية عن كثرة حمد الحامد له سبحانه إذ لا يمكن لحمده أن ينقطع (وما بقي للحمد لفظ تحمد) يا رب (به) أي: بذلك، نحو [حمدتك] و[أحمدك] و[الحمد لك] و[لك الحمد] وما أشبه (ومعنى ينصرف إليه) وهي: صفاته سبحانه وأفعاله التي ينصرف الحمد إليها، فله الحمد لكونه عالماً، وخالقاً، وهكذا.
(يا من تحمّد إلى عباده) أي: طلب من العباد حمده (بالإحسان والفضل) فإنه من الفطري أن يحمد المتنعم من المنعم عليه (وغمرهم) أي: أعطاهم (بالمن) أي: النعمة (والطول) والإحسان (ما أفشى فينا نعمتك) فعل التعجب، أي: كثير فاش فينا إحسانك ونعمتك (و) ما (أسبغ علينا منتك) الإسباغ: الإكثار، والمراد بالمنة: النعمة من باب استعمال المسبب في السبب (و) ما (أخصنا ببرك) أي: إحسانك فإنه سبحانه خص بعض الناس بالإحسان الزائد، ثم ذكر (عليه السلام) بعض تلك النعم بقوله: (هديتنا لدينك الذي اصطفيت) أي: اخترته على سائر الأديان، وهو الإسلام (وملتك) أي: طريقتك (التي ارتضيت) أي: اخترتها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَسَبِيلِكَ الَّذي سَهَّلْتَ، وَبَصَّرْتَنا الزُّلْفَةَ لَدَيْكَ وَالوُصُولَ إِلى كَرامَتِكَ، اللّهُمَّ وَأَنْتَ جَعَلْتَ مِنْ صَفايا تِلْكَ الوَظائِفِ وَخَصائِصِ تِلْكَ الفُرُوضِ شَهْرَ رَمَضانَ الَّذي اخْتَصَصْتَهُ مِنْ سائِرِ الشُّهُورِ، وَتَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَميعِ الأَزْمِنَةِ وَالدُّهُورِ، وَآثَرْتَهُ عَلى كُلِّ أَوْقاتِ السَّنَةِ بِما أَنْزَلْتَ فيه مِنَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وسبيلك الذي سهلت) سلوكه فإن من السهل سلوك سبيل الله تعالى (وبصرتنا الزلفة لديك) أي: أريتنا الشيء الذي يوجب القرب منك (والوصول إلى كرامتك) أي: الطريق الموصل إلى تكريمه سبحانه للإنسان، كالتقوى، قال سبحانه: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [12].
(اللهم وأنت جعلت من صفايا تلك الوظائف) أي: مما اصطفيته من تلك الوظائف والأحكام المقررة على الإنسان (وخصائص تلك الفروض) التي فرضتها على عبادك، والمراد بالخصائص، ذو الخصائص (شهر رمضان الذي اختصصته من سائر الشهور) أي: جعلته خاصاً بنفسك، حيث شرفته بإضافته إلى نفسك (وتخيرته) أي: اخترته (من جميع الأزمنة) جمع زمان (والدهور) وإنما كان الاختصاص باعتبار ما جعل سبحانه فيه من العبادات والطاعات، وما رتب عليه من المثوبات واختصاصه بإنزال القرآن، كما يصرح الإمام (عليه السلام) بذلك (وآثرته) أي: وقدمته (على كل أوقات السنة) فهو أعز من سائر الأوقات (بما أنزلت فيه من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القُرْآنِ وَالنُّورِ، وَضاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الإيمانِ، وَفَرَضْتَ فيهِ مِنَ الصِّيامِ، وَرَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ القِيامِ، وَأَجْلَلْتَ فيهِ مِنْ لَيْلَةِ القَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، ثُمَّ آثَرْتَنا بِهِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القرآن والنور) المراد بالنور: القرآن الذي يسبب إنارة الطريق إلى الحق ولا يخفى عدم المنافاة بين هذا وبين كون المبعث في رجب، فإن في شهر رمضان أنزل القرآن جملة واحدة على قلب الرسول (صلى الله عليه وآله) أو بيت المعمور قال سبحانه: (شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن) [13] وفي شهر رجب نزلت سورة (اقرأ) في ابتداء نزول الأبعاض التي تمت بعد ثلاث وعشرين سنة (وضاعفت فيه من الإيمان) أي: جعلت ثواب الإيمان والأعمال الصالحة ضعفاً (وفرضت فيه من الصيام) قال سبحانه: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) [14] (ورغبت فيه) أي: ندبت (من القيام) في لياليه بالعبادة والذكر (وأجللت فيه من ليلة القدر) حيث قال سبحانه: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) [15] إلى آخر السورة (التي هي خير من ألف شهر) قال تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر) [16] فالعبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر، وهناك أخبار في تأويل هذه الآية ذكرت في تفسير البرهان وغيره فليراجع (ثم آثرتنا) أي: خصصتنا (به) أي: بشهر رمضان (على سائر الأمم) فإن شهر رمضان بما له من المزايا والخصوصيات خاص بالمسلمين، وإن كان الصوم جارياً في سائر الأمم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَاصْطَفَيْتَنا بِفَضْلِهِ دُونَ أَهْلِ المِلَلِ، فَصُمْنا بِأَمْرِكَ نَهارَهُ وَقُمْنا بِعَوْنِكَ لَيْلَهُ، مُتَعَرِّضينَ بِصِيامِهِ وَقِيامِهِ لِما عَرَّضْتَنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِكَ، وَتَسَبَّبْنا إِلَيْهِ مِنْ مَثُوبَتكَ وَأَنْتَ المَليءُ بِما رُغِبَ فِيهِ إِلَيْكَ، الجَوادُ بِما سُئِلْتَ مِنْ فَضْلِكَ القَرِيبُ إِلى مَنْ حاوَلَ قُرْبَكَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) [17] (واصطفيتنا) أي: اخترتنا (بفضله) بأن جعلت فضل شهر رمضان لنا (دون أهل الملل) أي: سائر الأديان (فصمنا بأمرك نهاره) أي: في نهاره، والإسناد مجازي، كما ذكر في البلاغة (وقمنا بعونك) أي: بإعانتك لنا (ليله) أي: في ليله (متعرضين) يقال: تعرض، إذا جعل نفسه في معرض الشيء حتى يناله (بـ) سبب (صيامه وقيامه لما عرضتنا من رحمتك) فإن الله سبحانه عرض الناس إلى رحمته حيث الرحمة وأرشدهم إلى ما يحرزها (وتسببنا إليه) أي: جعلنا الأسباب والضمير عائد إلى [ما] الذي أريد به الرحمة (من مثوبتك) أي: ثوابك (وأنت المليء) أي: الغني الواجد (بما رغب فيه إليك) أي: بما رغب الناس وطلبوا منه سبحانه (الجواد بما سئلت) أي: سألك الناس (من فضلك) أي: تجود بفضلك لا باستحقاق الطالبين (القريب إلى من حاول قربك) أي: طلب وأراد أن يقترب إلى رضاك بسبب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَقَدْ أَقامَ فينا هذا الشَّهْرُ مَقامَ حَمْدٍ، وَصَحِبَنا صُحْبَةَ مَبْرُورٍ وَأرْبَحَنا أفْضَلَ أَرْباحِ العالَمينَ، ثُمَّ قَدْ فارَقَنا عِنْدَ تَمامِ وَقْتِهِ وَانْقِطاعِ مُدَّتِهِ، وَوَفاءِ عَدَدِهِ، فَنَحْنُ مُوَدِّعُوهُ وِداعَ مَنْ عَزَّ فِراقُهُ عَلَيْنا وَغَمَّنا وَأَوْحَشَنَا انْصِرافُهُ عَنَّا، وَلَزِمَنا لَهُ الذِّمامُ المَحْفُوظُ، وَالحُرْمَةُُ المَرْعِيَّةُ، وَالحَقُّ المَقْضِيُّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأعمال الصالحة (وقد أقام فينا هذا الشهر) أي: شهر رمضان (مقام حمد) محلاً حمده يجب فإن الإنسان يحمد الشيء النافع وشهر رمضان نافع للإنسان ولذا فهو قائم في مقام الحمد (وصحبنا) هذا الشهر (صحبة مبرور) مفعول من برّه إذا أحسن إليه، فقد أحسن الله إلى الشهر حيث جعله محل عبادته وطاعته، فهو مبرور يصحب الإنسان، لا ممقوت مكروه (وأربحنا) الشهر، أي: أعطانا الربح في (أفضل أرباح العالمين) فإن الثواب من أفضل الأرباح (ثم قد فارقنا) الشهر (عند تمام وقته) أي: انقضاء شهر الصيام (وانقطاع مدته) التي هي ثلاثون يوماً (ووفاء) أي: تمام (عدده) أي: عدد أيامه (فنحن مودعوه) أي: نودعه (وداع من عز فراقه) فإن فراقه يصعب (علينا) كما يفارق الإنسان عزيزه (وغمنا) أي: صار سبب حزننا (وأوحشنا) الوحشة ضد الإنس (انصرافه عنا) الانصراف الذهاب (ولزمنا له) أي: لشهر رمضان (الذمام) أي: العهد (المحفوظ) فكأن له علينا ذمة يجب أداؤها (والحرمة المرعية) أي: الاحتراك الذي يجب مراعاته (والحق المقضي) أي:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فَنَحْنُ قائِلوُنَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا شَهْرَ اللهِ الأَكْبَرَ، وَيا عيدَ أوْلِيائِهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا أَكْرَمَ مَصْحُوبٍ مِنَ الأَوْقاتِ، وَيا خَيْرَ شَهْرٍ فِي الأَيَّامِ وَالسَّاعاتِ، السَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ قَرُبَتْ فيهِ الآمالُ، وَنُشِرَتْ فيهِ الأَعْمالُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الذي يجب قضاؤه وأداؤه.
(فنحن قائلون السلام عليك) سلام المودع (يا شهر الله الأكبر) الظاهر أن (أكبر) صفة الشهر وكونه أكبر باعتبار ما فيه من اللطف والعناية الخاصة منه تعالى بعباده (ويا عيد أوليائه) فإن أولياء الله يفرحون لشهر رمضان كما يفرح الناس بالعيد، والمراد بالسلام: التحية والاحترام أو بمعنى أن تكون سالماً من الآفات، كما هو الأصل في السلام.
(السلام عليك يا أكرم مصحوب من الأوقات) أي: الأوقات التي يكون الإنسان فيها، فكأنها صاحب للإنسان (ويا خير شهر في الأيام والساعات) أي: من جهة أيامه وساعاته إذ تكون عناية الله تعالى فيها كثيرة.
(السلام عليك من شهر) الإتيان بـ (من) في مثل هذا المقام، لتوهم ما قبله كلياً، وأن هذا بعضه، أو للبيان (قربت فيه الآمال) فإن أمل الإنسان ورجاءه بالسعادة يقرب في هذا الشهر فإنه سبحانه ينجزه ويستجيب الدعاء (ونشرت فيه الأعمال) بمعنى: أن الله سبحانه جعل فيه أعمالاً هي توجب مرضاته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ قَرينٍ جَلَّ قَدْرُهُ مَوْجُوداً، وَأَفْجَعَ فَقْدُهُ مَفْقُوداً ٍ، وَمَرْجُوٍّ آلَمَ فِراقُهُ، السَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ أَليفٍ آنَسَ مُقْبِلاً فَسَرَّ، وَأَوْحَشَ مُنقَضِياً فَمَضَّ، السَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ مُجاوِرٍ رَقَّتْ فيهِ القُلوُبُ، وَقَلَّتْ فيهِ الذُّنوُبُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(السلام عليك من قرين) أي: مقارن للإنسان (جل قدره) أي: عظم شأنه (موجوداً) أي: حال كونه موجوداً غير ذاهب (وأفجع) أي: أحزن الإنسان (فقده) وذهابه في حال كونه (مفقوداً) فإن أهل الطاعة يحزنون لذهاب شهر رمضان (ومرجو) إذ يرجوه الإنسان أن يثقل فيه حسناته وتخف سيئاته (آلم فراقه) أي: أوجب الألم.
(السلام عليك من أليف) للإنسان يألفه (آنس) الشخص في حال كونه (مقبلاً) آتياً بعد شهر شعبان (فسرّ) وأفرح الإنسان (وأوحش منقضياً) إذا انقضى وذهب بمجيء شوال (فمضّ) أي: آلم، يقال: مض الجرح، إذا أوجع.
(السلام عليك من مجاور) للإنسان، جوار زمان، كما أن البيت جوار مكان للبيت الآخر (رقت فيه القلوب) لتوجهها إلى الله تعالى (وقلت فيه الذنوب) لأن الله عفا عنها أو لأن الإنسان جاء بحسنات ذهبت بها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ ناصِرٍ أَعانَ عَلى الشيْطانِ، وَصاحِبٍ سَهَّلَ سُبُلَ الإحْسانِ، السَّلامُ عَلَيْكَ ما أكْثَرَ عُتَقاءَ اللهِ فيكَ، وَما أسْعَدَ مَنْ رَعى حُرْمَتَكَ بِكَ!، السَّلامُ عَلَيْكَ ما كانَ أَمْحاكَ لِلذُّنوُبِ، وَأَسْتَرَكَ لأَِنْواعِ العُيوُبِ، ألسَّلامُ عَلَيْكَ ما كانَ أَطْوَلَكَ عَلَى المُجْرِمينَ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(السلام عليك من ناصر) نصر الإنسان و (أعان على الشيطان) فلم يتمكن الشيطان من إغواء الشخص وإدخاله النار (وصاحب سهل سبل الإحسان) الإحسان إلى النفس بالأعمال الصالحة التي قررها الله تعالى في هذا الشهر والإحسان إلى الناس لأن الخيرات في هذا الشهر أكثر لرغبة الناس فيها.
(السلام عليك ما أكثر عتقاء الله فيك) فإن لله سبحانه في كل ليلة عتقاء من النار كما ورد في الأحاديث (وما أسعد من رعى حرمتك) أي: قام باللازم من احترامك في طاعته وعبادته (بك) أي: بسببك كأن الشهر هو سبب احترام نفسه.
(السلام عليك ما كان أمحاك للذنوب) [كان] زائدة، قال ابن مالك:
وقد تزاد [كان] في حشو***كما كان أصح علم من تقدما
أي: ما أكثر محوك للذنوب، وهذا للتعجب (وأسترك) أي: أكثر سترك (لأنواع العيوب) أي: المعاصي والآثام.
(السلام عليك ما كان أطولك على المجرمين) فإنهم يستثقلونه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَهْيَبَكَ في صُدُورِ المُؤْمِنينَ، السَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ لا تُنافِسُهُ الأَيَّامُ، السَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْرٍ هُوَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ، السَّلامُ عَلَيْكَ غَيْرَ كَرِيهِ المُصاحَبَةِ، وَلا ذَميمِ المُلابَسَةِ، السَّلامُ عَلَيْكَ كَما وَفَدْتَ عَلَيْنا بِالبَرَكاتِ وَغَسَلْتَ عَنَّا دَنَسَ الخَطيئاتِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويريدون ذهابه حتى يفطروا علنا (وأهيبك) أي: أكثر هيبتك (في صدور المؤمنين) فإن المؤمنين يهابون الشهر خوفاً من أن لا يقوموا بواجبه.
(السلام عليك من شهر لا تنافسه الأيام) فإن سائر الأيام، لا تبلغ مرتبته في العز والجلال حتى تنافسه وتعادله، وإنما المنافسة تكون بين الأقران.
(السلام عليك من شهر هو من كل أمر سلام) فإنه سبحانه ينزل التقديرات الموجبة لسلامة الإنسان، في ليلة القدر، كما في سورة إنا أنزلناه، وإنما الآفات وما أشبه من فعل الإنسان أو لأجل غاية رفيعة.
(السلام عليك) حال كونك (غير كريه المصاحبة) فإن المؤمن لا يكره مصاحبة شهر رمضان لأنه يحبه (ولا ذميم الملابسة) كأنه لباس للإنسان يحب الإنسان ذلك اللباس ولا يذمه بل يمدحه.
(السلام عليك كما وفدت) وأتيت (علينا بالبركات) أي: الخيرات والحسنات (وغسلت عنا دنس) أي: قذارة (الخطيئات) فإن الإثم يوجب دنس النفس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السَّلامُ عَلَيْكَ غَيْرَ مُوَدَّعٍ بَرَماً، وَلا مَتْروُكٍ صِيامُهُ سَأماً، ألسَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ مَطْلوُبٍ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَمَحْزُونٍ عَلَيْهِ قَبْلَ فَوْتِهِ، ألسَّلامُ عَلَيْكَ كَمْ مِنْ سُوءٍ صُرِفَ بِكَ عَنَّا، وَكَمْ مِنْ خَيْرٍ أُفيضَ بِكَ عَلَيْنا، السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَى لَيْلَةِ القَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، السَّلامُ عَلَيْكَ ما كَانَ أَحْرَصَنا بِالأَمْسِ عَلَيْكَ، وَأَشَدَّ شَوْقَنا غَداً إِلَيْكَ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(السلام عليك) في حال كونك (غير مودع) أي: لا أودعك (برماً) أي: من جهة الملالة والتبرم منك (ولا متروك صيامه سأماً) فلا نترك صيامه من جهة الملالة والكلالة، بل لأنه ذهب بنفسه وانقضى.
(السلام عليك من مطلوب قبل وقته) فإن الإنسان يطلب مجيئه قبل أن يأتي (ومحزون عليه قبل فوته) فإن الإنسان يحزن لشهر رمضان وهو فيه، لأجل أنه يحبه لا يريد انقضاءه.
(السلام عليك كم من سوء صرف بك) أي: بسببك (عنا) فإن الله ببركة هذا الشهر يصرف السوء عن الناس (وكم من خير أفيض بك) والمفيض هو الله تعالى (علينا) و (كم) في هذه الجمل للتكثير.
(السلام عليك وعلى ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر) هذا من باب ذكر الخاص بعد العام، وإلاّ فالشهر شامل لليلة القدر.
(السلام عليك ما كان أحرصنا بالأمس) حين كنت موجوداً (عليك) والحرص على الشهر، حب الإنسان له وشدة مفارقته إياه (وأشد شوقنا غداً) حين تذهب وينقضي شهر رمضان (إليك) والاشتياق طلب الشيء المحبوب حين فقده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلى فَضْلِكَ الَّذي حُرِمْناهُ، وَعَلى ماضٍ مِنْ بَرَكاتِكَ سُلِبْناهُ، اللّهُمَّ إِنَّا أَهْلُ هذا الشَّهْرِ الّذي شَرَّفْتَنا بِهِ، وَوَفَّقْتَنا بِمَنِّكَ لَهُ حينَ جَهِلَ الأَشْقِياءُ وَقْتَهُ وَحُرِمُوا لِشَقائِهِمْ فَضْلَهُ، أَنْتَ وَلِي ما آثَرْتَنا بِهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، وَهَدَيْتَنا لَهُ مِنْ سُنَّتِهِ، وَقَدْ تَوَلَّيْنا بِتَوْفِيقِكَ صِيامَهُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(السلام عليك وعلى فضلك الذي حرمناه) بذهابك عنا، فإن الإنسان لا يجد فضل شهر رمضان حين ينقضي ويذهب (وعلى ماض من بركاتك) أي: ما ذهب ومضى من بركاتك التي (سلبناه) أي: سلب منا والضمير عائد إلى (ماض).
(اللهم إنا أهل هذا الشهر الذي شرفتنا به) ومعنى الأهل، الملتزم والعامل بمقتضاه (ووفقتنا بمنك) وإحسانك (له) حتى نعمل فيه حسب أمرك (حين جهل الأشقياء وقته) إذ لا يهمهم هذا الشهر، فلا يدرون في أي وقت هو (وحرموا لشقائهم فضله) لأنهم لم يعملوا عملاً يدركون فضله (وأنت) يا رب (ولي ما آثرتنا به) أي: اختصصتنا، والضمير عائد إلى (ما) (من معرفته) بيان (ما) (وهديتنا له من سنته) فإن الله تعالى هدى المسلمين إلى السنن والمستحبات في هذا الشهر حتى ينالوا ثوابه (وقد تولينا) أي: اتبعنا (بتوفيقك صيامه) فصمنا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَقِيامَهُ عَلى تَقْصيرٍ، وَأَدَّيْنا فيهِ قَليلاً مِنْ كَثيرٍ، اللّهُمَّ فَلَكَ الحَمْدُ إقْراراً بِالإساءَةِ وَاعْتِرافاً بِالإضاعَةِ، وَلَكَ مِنْ قُلُوبِنا عَقْدُ النَّدَمِ وَمِنْ ألْسِنَتِنا صِدْقُ الاعْتِذارِ، فَأْجُرْنا عَلى ما أَصابَنا فِيهِ مِنَ التَّفْرِيطِ أَجْراً يُسْتَدْرَكُ بِهِ الفَضْلُ المَرْغُوبُ فِيهِ، وَنَعْتَاضُ بِهِ مِنْ أَنْواعِ الذُّخْرِ المَحْرُوصِ عَلَيْهِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الشهر (وقيامه) بأن قمنا في لياليه (على تقصير) أي كنا مقصرين في الصيام والقيام، إذ لا أحد يتمكن من إعطاء حق الله تعالى في واجباته ومستحباته (وأدينا فيه قليلاً من كثير) ندبته في هذا الشهر.
(اللهم فلك الحمد إقراراً بالإساءة) أي: نحمدك في حال كوننا مقرين بذنبنا، فمدح لك، وذم لنا (واعترافاً بالإضاعة) بأن أضعنا هذا الشهر إذ لم نقم باللازم علينا من أعماله وآدابه (ولك من قلوبنا عقد الندم) بأن تركز الندم في قلوبنا لما أضعناه ولم يكن الندم شيئاً عابراً وخاطراً يسيراً، بل عقد على ذلك قلوبنا، كما يعقد الحبل وشبهه (ومن ألسنتنا صدق الاعتذار) أي: نعتذر صادقين، من تفريطنا (فأجرنا) أي: أعطنا الأجر والثواب (على ما أصابنا فيه من التفريط) أي: أعطنا الثواب مجاناً، لا أن المراد أعطنا أجر تفريطنا إذ التفريط لا أجر له (أجراً يستدرك به) أي: بذلك الأجر (الفضل المرغوب فيه) والثواب الذي يطلبه الإنسان (ونعتاض به) أي: نأخذ العوض بسبب ذلك الأجر (من أنواع الذخر المحروص عليه) أي: الثواب الذي ادخرته
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَأَوْجِبْ لَنا عُذْرَكَ عَلى ما قَصَّرْنا فيه مِنْ حَقِّكَ وَابْلُغْ بِأَعْمارِنا ما بَيْنَ أَيْدينا مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ المُقْبِلِ، فَإِذا بَلَّغْتَناهُ فَأَعِنَّا عَلى تَناوُلِ ما أَنْتَ أَهْلُهُ مِنَ العِبادَةِ، وَأَدِّنا إِلى القيامِ بِما يِسْتَحِقُّهُ مِنَ الطّاعَةِ وَأَجْرِ لَنا مِنْ صالِحِ العَمَلِ ما يَكُونُ دَرْكاً لِحَقِّكَ فِي الشَّهْرَيْنِ مِنْ شُهُورِ الدَّهْرِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويحرص الإنسان على إدراكه (وأوجب لنا عذرك) أي: اكتب لنا أن تقبل عذرنا (على ما قصرنا فيه من حقك) علينا (وابلغ بأعمارنا) أي: طول عمرنا (ما بين أيدينا) أي: ما هو أمامنا من الزمان (من شهر رمضان المقبل) في السنة الآتية حتى ندرك فضله (فإذا بلغتناه) ومددت أعمارنا إليه (فأعنا على تناول ما أنت أهله من العبادة) وتناول العبادة بمعنى الإتيان بها (وأدنا إلى القيام) من الأداء، بمعنى الإتيان والوصول إلى الشيء أي أوصلنا (بما يستحقه) الشهر (من الطاعة) لك والمعنى وفقنا لأن نطيعك فيه (وأجر لنا من صالح العمل) كأن الأعمال الصالحة شيء يجريه الله تعالى إلى خلقه، حتى يؤدوها، كما يجري الماء إلى البستان ونحوه (ما يكون دركاً) أي: يسبب إدراكاً (لحقك في الشهرين) الرمضان الماضي والآتي، حتى يتلافى بالأعمال في المستقبل، التفريط في الماضي (من شهور الدهر) ولعل فائدة القيد بيان الداعي بطلب التوفيق لعمل شهرين في شهر واحد، من شهور العمر، لا من شهور الداعي، إذ يمكن أن يكون الداعي في حال من المرض والضعف وما أشبه مما يكون شهره أقل حقاً لله من الشهور المتعارفة، كما لو قال الإنسان الضعيف في العمل للذي استأجره: أعطني أجر عاملين من عمالك، في مقابل أن يقول: أعطني ضعفي أجري، فإن أجر الضعيف نصف أجر القوي مثلاً، وبعض الشرّاح قالوا غير ذلك في فائدة هذا القيد، وما ذكرناه أظهر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللّهُمَّ وَما أَلْمَمْنا بِهِ فِي شَهْرِنا هذا مِنْ لَمَمٍ أَوْ إِثْمٍ، أَوْ واقَعْنا فِيهِ مِنْ ذَنْبٍ، وَاكْتَسَبْنا فِيهِ مِنْ خَطيئَةٍ عَلى تَعَمُّدٍ مِنَّا، أَوْ عَلى نِسْيانٍ ظَلَمْنا فِيهِ أَنْفُسَنا، أَوِ انْتَهَكْنا بِهِ حُرْمَةً مِنْ غَيْرِنا، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاسْتُرْنا بِسِتْرِكَ وَاعْفُ عَنَّا بِعَفْوِكَ وَلا تَنْصِبْنا فِيهِ لأعْيُنِ الشَّامِتينَ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(اللهم وما ألممنا) الإلمام بالشيء: العمل به والدخول فيه (به في شهرنا هذا من لمم) هي: الذنوب التي يلم بها الإنسان ثم يتركها وبعد حين يأتي بها، ولذا ورد عنهم (عليهم السلام): هو الهنة بعد الهنة ـ أي الذنب بعد الذنب ـ يلم به العبد، وهذا في مقابل من غاص في بحار الآثام وكأن المراد باللمم الصغائر، كما قال سبحانه: (إلا اللمم) [18] (أو إثم) عصيان عمدي، عصيان كبير (أو واقعنا فيه من ذنب) الإتيان بباب المفاعلة، لتوهم أن كلاً من الإنسان والذنب أثر في الآخر (واكتسبنا فيه من خطيئة) أي: عملناها واقترفناها (على تعمد منا) على إتيانها (أو على نسيان) منا لكونه ذنباً (ظلمنا فيه) أي: في ذلك الذنب (أنفسنا) كالذنوب التي تضر الإنسان، ولا تضر غيره (أو انتهكنا به حرمة من غيرنا) كالسرقة والإيذاء وما أشبه (فصلِّ على محمد وآله واسترنا بسترك) حتى لا نفتضح بذنبنا (واعف عنا بعفوك) حتى لا تعذبنا (ولا تنصبنا فيه) أي: في ذلك الذنب ولأجله (لأعين الشامتين) بأن يرى الشامت عصياني فيفرح بسقوطي ويلومني بلسانه شماتةً بي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَلا تَبْسُطْ عَلَيِْنا فِيهِ أَلْسُنَ الطَّاغينَ، وَاسْتَمِلْنَا بِما يَكوُنُ حِطَّةً وَكَفَّارَةً لِما أَنْكَرْتَ مِنَّا فيهِ بِرَأفَتِكَ الَّتِي لا تَنْفَدُ، وَفَضْلِكَ الَّذي لا يَنْقُصُ، اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاجْبُرْ مُصيبَتَنا بِشَهْرِنا، وَبَارِكْ لَنا في يَوْمِ عِيدِنا وَفِطْرِنا، وَاجْعَلْهُ مِنْ خَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْنا، أجْلَبَهُ لِعَفْوٍ، وَأمْحاهُ لِذَنْبٍ، وَاغْفِرْ لَنا ما خَفِيَ مِنْ ذُنُوبِنا وَما عَلَنَ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ولا تبسط علينا فيه) أي: في ذلك الذنب (ألسن الطاغين) فإن الطغاة دائماً يترقبون ذنباً من الصالحين حتى يبسطوا ألسنتهم بالسوء بالنسبة إليهم (واستعملنا) أي: وفقنا لأن نعمل (بما يكون حطة) أي: سبباً لحط الذنب ومحوه (وكفارة لما أنكرت منا فيه) كأن نتوب ونأتي بالحسنات التي هي تذهب السيئات (برأفتك) ورحمتك (التي لا تنفد) فإن رحمته سبحانه لا نهاية لها (وفضلك الذي لا ينقص) وإن أكثر سبحانه في التفضل.
(اللهم صلِّ على محمد وآله واجبر مصيبتنا بشهرنا) المصيبة: هي فقد الإنسان لمحبوبه، ومعنى الجبر: إعطاء الثواب لذلك (وبارك لنا في يوم عيدنا وفطرنا) أي: إفطارنا (واجعله من خير يوم مر علينا) ثم بيّن (عليه السلام) وجه الخيرية المطلوبة بقوله: (أجلبه لعفو) بأن نعمل في هذا اليوم ما يجلب عفوك أكثر من جلبه في سائر الأيام (وأمحاه لذنب) بأن يمحو من الذنوب أكثر من سائر الأيام لها (واغفر لنا ما خفي من ذنوبنا) علينا بأن أذنبناها ثم نسيناها، مثلاً (وما علن) أو المراد الظاهرة منها والمخفية التي لم يطلع عليها الناس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللّهُمَّ اسْلَخْنا بِانْسِلاخِ هذَا الشَّهْرِ مِنْ خَطايانا، وَأَخْرِجْنا بِخُرُوجِهِ مِنْ سَيِّئاتِنا، وَاجْعَلْنا مِنْ أَسْعَدِ أَهْلِهِ بِهِ، وَأَجْزَلِهِمْ قِسْماً فِيهِ، وَأَوْفَرِهِمْ حَظَّاً مِنْهُ، اللّهُمَّ وَمَنْ رَعى هذَا الشَّهْرَ حَقَّ رِعايَتِهِ، وَحَفِظَ حُرْمَتَهُ حَقَّ حِفْظِها، وَقامَ بِحُدُودِهِ حَقَّ قِيامِها، وَاتَّقى ذُنوُبَهُ حَقَّ تُقاتِها، أَوْ تَقَرَّبَ إِلَيْكَ بِقُرْبَةٍ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(اللهم اسلخنا) أي: أخرجنا (بانسلاخ هذا الشهر) أي: مع خروج شهر رمضان (من خطايانا وأخرجنا بخروجه من سيئاتنا) من باب عطف البيان تأكيداً (واجعلنا من أسعد أهله) أي: أهل رمضان (به) أي: بسبب شهر رمضان بأن يكون موجباً لسعادتنا (وأجزلهم) أي: أكثرهم (قسماً) أي: قسمة من رحمتك (فيه) أي: في هذا الشهر (وأوفرهم) أي: (أكثرهم حظا منه) بأن يكون حظنا من ثوابك من أكثر حظ سائر الناس.
(اللهم ومن رعى هذا الشهر حق رعايته) بأن عمل فيه بآدابه وأعماله (وحفظ حرمته حق حفظها) وحفظ الحرمة، إنما هو العمل بما ألزم الله تعالى فيه (وقام بحدوده) المقررة في الشريعة (حق قيامها) بلا زيادة أو نقصان (واتقى ذنوبه) أي: الذنوب التي هي مرتبطة بهذا الشهر كالإفطار وما أشبه (حق تقاتها) أي: حق التقوى من تلك الذنوب (أو تقرب إليك) يا رب (بقربة) أي: بعمل موجب للقرب منك قرباً بالشرف لا بالمكان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أَوْجَبَتْ رِضاكَ لَهُ، وَعَطَفَتْ رَحْمَتَكَ عَلَيْهِ، فَهَبْ لَنا مِثْلَهُ مِنْ وُجْدِكَ، وَاعْطِنا أَضْعافَهُ مِنْ فَضْلِكَ فَإنَّ فَضْلَكَ لا يَغْيضُ، وَإِنَّ خَزائِنَكَ لا تَنْقُصُ بَلْ تَفيضُ، وَإِنَّ مَعادِنَ إَحْسانِكَ لا تَفْنى وَإنَّ عَطاءَكَ لَلْعَطاءُ المُهَنَّا، اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاكْتُبْ لَنا مِثْلَ أُجُورِ مَنْ صامَهُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(أوجبت) تلك القربة (رضاك له) بأن ترضى عنه (وعطفت) أي: أمالت تلك القربة (رحمتك عليه) فرحمته (فهب لنا مثله) أي: مثل ذلك الفضل الذي أعطيته لمن رعى حق هذا الشهر (من وجدك) أي: من غناك وفضلك، من (وجد يجد) (واعطنا أضعافه من فضلك) وإحسانك (فإن فضلك لا يفيض) يقال: غاض الماء إذا تسرب في باطن الأرض، والمعنى لا ينفد ولا يتم (وإن خزائنك لا تنقص) فإنه سبحانه يخلق الشيء بمجرد الإرادة (بل تفيض) فاض الماء إذا كثر واتسع (وإن معادن إحسانك لا تفنى) ولا تنعدم بل تبقى إلى الأبد (وإن عطاءك للعطاء المهنا) أي: الهنيء الذي لا يشوبه كدر وألم.
(اللهم صلِّ على محمد وآله واكتب لنا مثل أجور من صامه) أي: صام هذا الشهر، أي: مثل أجر جميعهم، ولا يلزم من ذلك خلاف العدل، إذ الفضل خارج عن العدل، بالإضافة إلى أن الداعي استحق بدعائه ذلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أَوْ تَعَبَّدَ لَكَ فيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، اللّهُمَّ إِنَّا نَتُوبُ إِلَيْكَ في يَوْمِ فِطْرِنَا الَّذي جَعَلْتَهُ لِلْمُؤْمِنينَ عِيداً وَسُرُوراً وَلأَهْلِ مِلَّتِكَ مَجْمَعاً وَمُحْتَشَداً مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ أَذْنَبْناهُ أَوْ سُوءٍ أَسْلَفْناهُ، أَوْ خاطِرِ شَرٍّ أَضْمَرْناهُ، تَوْبَةَ مَنْ لا يَنْطَوِي عَلى رُجُوعٍ إلى ذَنْبٍ، وَلا يَعُودُ بَعْدَها في خَطيئَةٍ، تَوْبَةً نَصُوحاً خَلَصَتْ مِنَ الشَّكِّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(أو تعبد لك فيه) أي: عبدك في هذا الشهر (إلى يوم القيامة) في كل شهر رمضان.
(اللهم إنا نتوب إليك في يوم فطرنا الذي جعلته للمؤمنين عيداً) يسمى عيداً، لعود الله تعالى بالرحمة على العباد، فإن أصل العيد في العود، لعود السرور وما أشبه فيه (وسروراً) أي: موجباً للفرح (ولأهل ملتك) أي: طريقتك، وهي الإسلام (مجمعاً) أي: محل اجتماع (ومحتشداً) الاحتشاد: بمعنى الاجتماع، فإن المسلمين يجتمعون في الفطر للصلاة ولسائر مراسم الأفراح (من كل ذنب أذنبناه) متعلق به نتوب (أو سوء أسلفناه) أي: قدمناه (أو خاطر شر أضمرناه) أي: أخفيناه في صدورنا (توبة من لا ينطوي) أي: لا يضمر (على رجوع إلى ذنب) بل يريد الانقلاع إلى الأبد (ولا يعود بعدها في خطيئة) وإثم (توبة نصوحاً) أي: خالصة، من نصح لنفسه، إذا لم يشب عمله بما يفسده (خلصت) تلك التوبة (من الشك) في أنه هل يتوب أو لا يتوب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَالارْتِيابِ فَتَقَبَّلْها مِنَّا، وَارْضَ عَنَّا، وَثَبِّتْنا عَلَيْها، اللَّهُمَّ ارْزُقْنا خَوْفَ عِقابِ الوَعيدِ، وَشَوْقَ ثَوابِ المَوْعُودِ حَتَّى نَجِدَ لَذَّةَ ما نَدْعُوكَ بِهِ، وَكَآبَةَ ما نَسْتَجيرُكَ مِنْهُ، وَاجْعَلْنا عِنْدَكَ مِنَ التَّوّابِينَ الَّذينَ أَوْجَبْتَ لَهُمْ مَحَبَّتَكَ، وَقَبِلْتَ مِنْهُمْ مُراجَعَةَ طاعَتِكَ، يا أَعْدَلَ العادِلينَ، اللّهُمَّ تَجاوَزْ عَنْ آبائِنا وأُمَّهاتِنا وأَهْلِ دينِنا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(والارتياب) في أن عمله هل كان قبيحاً يستحق التوبة أم لا (فتقبلها) أي: اقبل التوبة (منا) بأن أعف ذنبنا (وارض عنا) بعد غضبك بسبب المعصية علينا (وثبتنا عليها) حتى لا نكسرها ونعود في الذنب.
(اللهم ارزقنا خوف عقاب الوعيد) بأن نخاف من عقابك الذي وعدته للعاصين (وشوق ثواب الموعود) أي: ثواب الشيء الذي وعدت عليه الثواب (حتى نجد لذة ما ندعوك به) فإن الخائف الشائق يجد لذة الطلب لأنه يعلم النتائج، بخلاف غيره فإن دعاءه سطحي لا عمق له (و) حتى نجد (كآبة) وحزن (ما نستجيرك منه) من أنواع العذاب، كما هو شأن الخائف حقيقة فإنه كئيب خائف من المستقبل السيئ (واجعلنا عندك من التوابين) الذين يكثرون التوبة (الذين أوجبت لهم محبتك) بمعنى أنك تحبهم (وقبلت منهم مراجعة طاعتك) فلم ترفضهم حتى لا تقبل لهم طاعة أبداً (يا أعدل العادلين) أي: أكثر عدلاً من كل عادل (اللهم تجاوز) أي: اعف واغفر (عن آبائنا وأمهاتنا وأهل ديننا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جَميعاً مَنْ سَلَفَ مِنْهُمْ وَمَنْ غَبَرَ إلى يَوْمٍ القِيامَةِ، اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ نَبِيِّنا وآلِهِ كَما صَلَّيْتَ عَلى مَلائِكَتِكَ المُقَرَّبِينَ، وَصَلِّ عَلَيْهِ وَآلِهِ، كَما صَلَّيْتَ عَلى أَنْبِيائِكَ المُرْسَلينَ وَصَلِّ عَلَيْهِ وَآلهِ كَما صَلَّيْتَ عَلى عِبادِكَ الصَّالِحينَ وَأَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ يا رَبَّ العالَمينَ، صَلاةً تَبْلُغُنا بَرَكَتُها وَيَنالُنا نَفْعُها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جميعاً) وهم المؤمنون (من سلف منهم) أي: ذهب (ومن غبر) أي: مَن بقي ويأتي (إلى يوم القيامة) متعلق بـ[غبر].
(اللهم صلِّ على محمد وآله كما صليت على ملائكتك المقربين) التشبيه في كيفية الصلاة لا في أصلها (وصلِّ عليه وآله كما صليت على أنبيائك المرسلين) في مقابل النبي غير المرسل، وهو الذي يخبر عن الله تعالى لنفسه لا لأن يبلغه غيره، قالوا: والمرسلون عددهم ثلاثمائة وثلاث عشر في حين أن عدد الأنبياء جميعاً مائة وأربعة وعشرون ألف، أو أكثر كما في بعض الروايات (وصل عليه وآله كما صليت على عبادك الصالحين) هذا شامل للأنبياء غير المرسلين والأوصياء والأولياء ومن إليهم (وأفضل من ذلك) كله بأن تكون صلواتك عليه وآله أفضل مما صليت على غيره (يا رب العالمين، صلاة تبلغنا بركتها) فإن رحمته سبحانه على الرسول تعود بالآخرة إلى أمته (وينالنا) أي: يصل إلينا (نفعها) وفائدتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وَيُسْتَجابُ لَها دُعاؤُنا، إِنَّكَ أكْرَمُ مَنْ رُغِبَ إِلَيْهِ، وَأَكْفى مَنْ تُوُكِّلَ عَلَيْهِ، وَأَعْطى مَنْ سُئِلَ مِنْ فَضْلِهِ، وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ويستجاب لها دعاؤنا) فإن الداعي إذا صلى على الرسول وآله كان ذلك سبباً لاستجابة دعائه كما في الأحاديث (إنك) يا رب (أكرم من رغب إليه) أي: أكرم من كل أحد طلب الشخص منه شيئاً (وأكفى من توكل عليه) فإن كفايتك فوق كفاية سائر الوكلاء (وأعطى) أي: أكثر إعطاءً من سائر (من سئل من فضله) فاعطنا ما سألناك (وأنت على كل شيء قدير) فتقدر على قضاء حوائجنا جميعاً.
[1] ـ إشارة إلى سورة التحريم، آية: 8.
[2] ـ إشارة إلى سورة التحريم، آية: 8.
[3] ـ إشارة إلى سورة الأنعام، آية: 160.
[4] ـ إشارة إلى سورة البقرة، آية: 261.
[5] ـ إشارة إلى سورة البقرة، آية: 245.
[6] ـ سورة النساء، آية: 40.
[7] ـ سورة النمل، آية: 89.
[8] ـ إشارة إلى سورة البقرة، آية: 152.
[9] ـ سورة آل عمران، آية: 97.
[10] ـ إشارة إلى سورة إبراهيم، آية: 7.
[11] ـ إشارة إلى سورة غافر، آية: 60.
[12] ـ سورة الحجرات، آية: 13.
[13] ـ سورة البقرة، آية: 185.
[14] ـ سورة البقرة، آية: 185.
[15] ـ سورة القدر، آية: 1.
[16] ـ سورة القدر، آية: 3.
[17] ـ سورة البقرة، آية: 183.
[18] ـ سورة النجم، آية: 32.

http://www.alshirazi.com


Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Google Plus