حقيقة الحب الإلهي (1)


الحبّ لغة: هو الوداد والمحبّة1 والميل الشديد، ويُقابله البغض والتنفّر. والتحبّب هو إظهار الودّ والحبّ.
وقيل: إنّ الحبّ بضمّ الحاء هو المحبّة وبكسرها هو الحبيب2.
الحبّ اصطلاحاً: هو الميل القلبي والباطني نحو المحبوب، فلا يكون الشيء محبوباً إلاّ إذا مالت النفس إليه. وهذا الميل ذو درجات ومراتب، فإذا قوي هذا الميل واشتدّ سُمّي عشقاً3.
وهذا الميل الباطني يتولّد منه الشوق إلى المحبوب عند غيابه فيلحّ القلب في طلبه حتّى يرتوي برؤياه، ولذا لا يكفّ العارف عن شوقه وولهه للمحبوب حتّى يمتلئ قلبه بشهود محبوبه، ويُصعق وجداً على أعتاب مطلوبه.
ولا ريب أنّ ذلك الوداد والميل الباطني والعشق والشوق وغير ذلك ممّا يتفرّع عن أصل الحبّ لا ينعقد ـ بل لا يتصوّر انعقاده ـ إلاّ بعد حصول المعرفة بالمحبوب، فلا يمكن أن يكون حبّ الشيء وليد الجهل به.
قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: (ما اتّخذ الله وليّاً جاهلاً)4. فالحبّ هو الوليد الحقيقي والموروث الأوّل للمعرفة، وبقدر تلك المعرفة يكون الحبّ5.
وحيث إنّ الإنسان بطبعه مندفع نحو تحصيل كمالاته، فهو محبّ لها بالضرورة. فالإنسان لفقده الذاتي يطالب الكمال المطلق الصادق على الغنيّ بذاته جلّ وعلا، ولذا تكون قلوب أحبّائه خلواً من الأغيار، إلاّ بفضل أصحابها بل بفضل صاحبها الأوحد جلّ وعلا.
يقول سيّد الشهداء الإمام أبو عبد الله الحسين عليه السلام: (أنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبّائك، حتّى لم يحبّوا سواك، ولم يلجؤوا إلى غيرك)6.
وإزالة الأغيار هذه لا تكون بمعجزة غيبية وإنّما بالالتفات والتنبيه، بعد أن يكون العبد قد عرف القصد ووحّد المقصود، ومضى ليلقي بكلّيته في محضر المعبود.
يروى (أنّ الكليم موسى عليه السلام قد ناجى ربّه بالوادي المقدّس، فقال: يا ربّ إنّي أخلصت لك المحبّة منّي، وغسلت قلبي عمّن سواك ـ وكان شديد الحبّ لأهله ـ فقال الله تبارك وتعالى: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ)7 أي انزع حبّ أهلك من قلبك إن كانت محبّتك لي خالصة، وقلبك من الميل إلى من سواي مغسولاً)8.
وحيث إنّ الحبّ هو ودّ وميل، فإنّ المحبوب سوف يتنوّع بحسب القوّة المدركة له. والقوى المدركة إمّا أن تكون حواسَّ ظاهرةً أو حواسّ باطنة أو قوّة عاقلة، وبتبع ذلك سوف تختلف اللذّة قوّة وضعفاً بحسب القوّة المدرِكة للمحبوب عندما تدركه وتناله.
فاللذّات التي نحصل عليها بواسطة الحواسّ الخمس الظاهرية ـ الباصرة والسامعة والشامّة واللامسة والذائقة ـ في المناظر الجميلة والأصوات الحسنة والروائح الطيّبة والملابس الناعمة والمأكولات والمشروبات الطيّبة، كلّ هذه الملذّات ـ رغم أهميّتها وضرورتها في حياة الإنسان ـ أدنى مرتبة من اللذّات الباطنية، من قبيل لذّة الرئاسة والانتصار والغلبة وقهر الأعداء ونيل الكرامة ولذّة الجنس، وغير ذلك.
وهذه اللذّات الباطنية رغم أشرفيّتها وتقدّمها على اللذّات الظاهرية إلاّ أنّها أدنى مرتبة وشرفاً من اللذّات العقلية التي من قبيل معرفة الله تعالى والسير في أسمائه وصفاته والوقوف على أسرار الخلق ومعاينة جمال الحضرة الربوبية وغير ذلك من لذّاتِ (ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)9.
ولا ريب في حصول اللذّات الظاهرية لكلّ إنسان ـ ما لم يكن فاقداً لتلك الحواسّ ـ وأمّا اللذّات الباطنية فإنّ دائرة الذين يحصلون عليها أضيق من دائرة الحصول على اللذّات الحسّية. فالأطفال الذين لم تكتمل قواهم الباطنية, والمرضى الذين ماتت معظم قواهم, وضعاف الهمّة وميّتو القلب لا ينالون هذه اللذّات.
وأمّا اللذّات العقلية فدائرة الحصول عليها أضيق بكثير، بل هي محدودة جدّاً رغم انفتاحها على الجميع.
ومن الواضح أنّ هنالك كثيراً ممّن يُؤثر اللذّات الظاهرية على الباطنية فضلاً عن العقلية؛ لقصور فيه, فيرضى بإشباع بطنه في قبال ذُلّ يناله، ويطلب السلامة في قبال ضياع الكرامة.
وربما يفعل بعضهم ذلك لأنّه لا يعرف تلك المعاني الكريمة إمّا للأسباب المتقدّمة أو للاضطرار.
من هنا يتّضح لدينا أسباب اقتصار دائرة المتوفّرين والحاصلين على المعارف الإلهية على عدد محدود جدّاً؛ إمّا لجهل بحقيقة هذه المعارف السامية ـ كما هو حال الأعمّ الأغلب ـ أو لشدّة الارتباط والاشتغال بالأمور المادّية بحيث لا تُعطي مُتّسعاً للالتفات والارتباط بعالم المعنى.
ولا شكّ أنّ الحاصل على اللذّات الباطنية سوف تضعف في نفسه درجة ومرتبة اللذّات الظاهرية عندما يُقايسهما معاً، وهكذا في الحاصل على اللذّات العقلية فإنّه سوف تضعف عنده اللذّات الباطنية فضلاً عن الظاهرية عندما يقايسهما باللذّة العقلية.
وعليه فلا غضاضة على من خلّف تلك اللذّات القاصرة وراء ظهره وانغمس في بحار المعارف الإلهية يتلمّس ببصيرته الثاقبة أنوار الملكوت لتفيض على قلبه فتطربه النشوة وتُسكره اللذّة فيصير محواً بعد صحو ثمّ صحواً بعد محو.
من هنا يتّضح لكلّ منّا ما نحن فيه، وفي أيّ دائرة ندور، وفي أيّ بحر نعوم. فشتّان بين مَن يعوم في ظلمات مقهورة مأسورة وبين من يعوم في أنوار وسبحات قُدس قاهرة مطلقة معمورة؛ قال الله تعالى: (بَلِ الإنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)10 وقال سبحانه: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً)11.
وهكذا يجد الإنسان نفسه مُنساقاً نحو ما يُحبّ؛ تلمّساً للّذّة التي يوفّرها محبوبه، وفي ذلك كماله بحسب فهمه وإدراكه.
فإذا ما وجد الإنسان كماله في اللذّات الحسّية دون ما سواها، فإنّه يتعسّر عليه فهم وإدراك ما تحمله الأُمور الأُخرى من كمالات وتقدّمها على ما هو حاصل عليه.
فالصبيان يجدون الكمال في ممارسة ألعاب الكرة. فإذا ما حدّثتهم عن لذّة أعظم وكمال أفضل يمنحه الزواج أو طلب العلم فإنّهم لا يعيرونك آذاناً صاغية، وهكذا فيمن توقّف على الملذّات والكمالات الباطنية فإنّه يصعب ـ بل يعسُر ـ عليه فهم اللذّة القصوى التي تمنحها المعارف الإلهية.
يقول صاحب (المحجّة البيضاء): (فأمّا معنى كون معرفة الله وصفاته وملكوت سماواته وأسرار ملكه أعظم لذّة من الرئاسة فهذا يختصّ بمعرفته من نال رتبة المعرفة وذاقها, ولا يمكن إثبات ذلك عند من لا قلب له؛ لأنّ القلب معدن هذه القوّة, كما أنّه لا يثبت رجحان لذّة الوقاع على لذّة اللعب بالصولجان عند الصبيان…)12.
وكيف يتسنّى لمن لم يذق طعم الشيء معرفته والوقوف على كماله. وليس ببعيد عنّا ما يُكيله بعض من اقتصر على ظواهر الأُمور من تهم وتشنيع على الواقفين على كمالات المعنى والأُمور المعنوية، وما ذلك إلاّ لضيق دائرة الإدراك أو لعدم وقوفهم على حقيقة الكمالات الأُخرى. فمن ذاق عرف، ومن لم يذق لم يعرف، والناس أعداء ما جهلوا.
فتلخّص لدينا أنّه لا ريب في أشرفية اللذّة العقلية وتقدّمها على سائر اللذّات الأُخرى، الظاهرة منها والباطنة، فإنّ بصيرة القوّة العاقلة هي الأشدّ والأمضى في النفوذ إلى حقائق الأشياء.
بعبارة أخرى: إنّ المعقولات عند إدراكها تمنح النفس لذّة وبهجة لهي أعظم وأسمى بكثير ممّا تمنحه المحسوسات لها، ولذا كانت الصلاة هي أعظم المحبوبات عند النبيّ من الدنيا، حيث يقول صلى الله عليه وآله: (حُبّب إليّ من دنياكم: الطيب والنساء، وقرّة عيني في الصلاة )13، وما ذلك إلاّ لأجل اللذّة العقلية التي تمنحها الصلاة، والتي هي أرفع مرتبة من لذّة الطيب ـ العطر ـ ولذّة النساء الحسّيتين.
ولا يخفى أنّ تحبيب الطيب والنساء للنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله في هذا المورد إنّما لأجل الصلاة نفسها، ويمكن استفادة هذا المعنى من مجموعة روايات مرويّات عنه صلى الله عليه وآله تتحدّث عن فضل صلاة المتطيّب وفضل صلاة المتزوّج على غيرهما، من قبيل قوله صلى الله عليه وآله: (لركعتان يصلّيهما متزوّج أفضل من رجل أعزب يقوم ليله ويصوم نهاره)14، وقوله صلى الله عليه وآله: (ركعتان يصلّيهما متعطّر أفضل من سبعين ركعة يصلّيها غير المتعطّر)15. فمن تطيّب وتزوّج ولم يُصلّ لم يكن له في الطيب والتزويج فضل ولا ثواب16. هذا فضلاً عن كون هذين الأمرين على فضلهما بمعيّة الصلاة إلاّ أنّهما قد حُبّبا لنفس الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ولم تمل إليهما نفسه القدسية وذاته صلى الله عليه وآله لأنّ نفسه وذاته مفطورة على حبّ العوالم العلوية المجرّدة عن المادّة ولذّاتها، فهو صلى الله عليه وآله مجذوب لعلياء ربّه بجبلّته، وممسوس بذلك العالم. فمع ذلك التحبيب والترغيب له صلى الله عليه وآله فيهما، لم يصر أيّ واحد منهما قرّة عين له وإنّما كانت قرّة عينه في الصلاة.
هذا ما يمكن ذكره في تصوير معاني الحبّ لغة واصطلاحاً. أمّا حقيقة الحبّ فمن الصعوبة بمكان تصويرها وتلمّسها فضلاً عن الإحاطة بها، رغم أنّنا نعيش تفاصيل كثيرة منها، سواء على مستوى العلاقات الاجتماعية أو على مستوى العلاقات بالموجودات السماوية ـ إن جاز التعبير ـ كالعلقة الناشئة بيننا وبين الله سبحانه وتعالى وأنبيائه ورسله وأوصيائه وأوليائه وملائكته، وسائر الموجودات العلوية مرتبة وشرفاً.
والسرّ الكامن وراء عدم إمكان تصوير حقيقة الحبّ أو استجلائها، هو أنّنا لم نعش تلك الحقيقة كاملة. فأمّا من ارتقى ذلك المقام السامي فهو من دخل دائرة العصمة أو اقترب منها.
بعبارة أخرى: إنّ حقيقة الحبّ وسرّه وكُنهه مرتبطة بما يتميّز به الإنسان في علاقته مع الله تعالى. فحبّ الله تعالى ـ كما سنعرف فيما بعد ـ هو الأصل والأساس والمنطلق لجميع الموجودات والمفردات الأُخرى التي يمكن أن تكون متعلّقاً للحبّ.
إنّ جميع العلائق التي تربطنا بالموجودات الإمكانية سوف تكون علائق ناقصة وقاصرة، بل مبنيّة ـ في الأعمّ الأغلب ـ على أساس تبادل المنافع والمصالح، إن لم تكن متفرّعة عن حبّ الله تعالى؛ لأنّها ستكون فاقدة لذلك الأصل الأصيل، أمّا إذا كانت تلك العلائق منبثقة ومنبعثة ومتولّدة من ذلك الحبّ الموغل في الأصالة, فإنّها سوف تأخذ طابعاً آخر ومعنى آخر يقترب بنا من أصل الحبّ وحقيقته، بل حتّى أُولئك الذين يعيشون علائقهم الثانوية مع موجودات عالم الإمكان متفرّعةً عن علاقتهم الأوّلية بالله تعالى, فإنّهم لا يعيشون ـ في الأعمّ الأغلب ـ روح وحقيقة الحبّ بما هي عليه، وذلك لسبب خارج عن قدراتهم ومكنتهم، ومرتبط بأصل آخر تفرّع عنه الحبّ وهو أصل المعرفة.
وحيث إنّ معرفة الله تبارك وتعالى موصدة على مستوى الذات لجميع موجودات عالم الإمكان ومحدودة على مستوى الأسماء والصفات للأعمّ الأغلب منّا فإنّ الحبّ المتولّد تلقائياً عن تلك المعرفة سوف يكون قاصراً ومحدوداً أيضاً، والنتيجة ـ كما يرى المناطقة ـ تتبع أخسّ المقدّمات17.
فالحبّ واضح كلّ الوضوح في لفظه ومعناه18، وخاف كلّ الخفاء في كُنهه وحقيقته الحقّة ومغزاه، كما هو الحال في أصل الوجود الواضح مفهوماً المبهم مضموناً، حتّى قيل في ذلك:
مفهومه من أعرف الأشياءِ وكُنهه في غـاية الخفاءِ19
ـــــــــــ
(1) لسان العرب لابن منظور الإفريقي المصري، نشر دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأُولى، 1405هـ: ج 1، ص 289.
(2) مـجمع البحرين للشيخ فخر الدين الطريحي، تحقيق السيّد أحمد الحسيني، نشر مكتبة نشر الثقافة الإسلامية، الطبعة الثانية، 1408هـ: ج1، ص 442.
(3) المصدر السابق
(4) شرح أصول الكافي، مصدر سابق، باب الحبّ في الله والبغض في الله: ج 8، ص 348، ح1.
(5) سوف يتعرّض السيّد الأُستاذ إلى ذلك في بحث لاحق من هذا الكتاب.
(6) من دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام. انظر: مفاتيح الجنان للشيخ المحدّث عباس القمّي رحمه الله ، نشر دار الثقلين الطبعة الثالثة، 1420هـ، بيروت: ص 341.
(7) طه: 12.
(8) كمال الدين وتـمام النعمة للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي، صحّحه وعلّق عليه علي أكبر الغفاري، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم، 1405هـ : ص460.
(9) تهذيب الأحكام لشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، تحقيق السيّد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة¬ الرابعة ج6، ص22، ح7.
(10) القيامة: 14.
(11) الإسراء: 84.
(12) الـمحجّة البيضاء في تهذيب الأحياء للمولى محمّد محسن بن المرتضى المعروف بالفيض الكاشاني، صحّحه وعلّق عليه علي أكبر الغفاري، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم، الطبعة الرابعة، 1417هـ : ج 8، ص 31
(13) الخصال للشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، صحّحه وعلّق عليه علي أكبر الغفاري، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم، 1405هـ : ص260.
(14) من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق، تحقيق علي أكبر الغفاري, نشر مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الثانية 1404هـ , قم: ج 3 ، ص 384، ح 4347.
(15) ثواب الأعمال للشيخ الصدوق، منشورات الرضي، الطبعة الثانية، قم: ص 40.
(16) الخصال, مصدر سابق: ص 166.
(17) أي: أضعف المقدّمات.
(18) أي: لغة واصطلاحاً.
(19) انظر شرح المنظومة، قسم الحكمة (غرر الفوائد وشرحها) للملاّ هادي السبزواري، علّق عليه آية الله الشيخ حسن زاده الآملي، نشر ناب، الطبعة الأُولى، 1416هـ، قم: ج2، ص9.

 

http://alhaydari.com


Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Google Plus