حقيقة الحب الإلهي (2)


مظاهر حكمة الله تعالى المختارة والمُبيّنة في القرآن الكريم وحدة المسلك بين تزكية النفس وتطهيرها معنويّاً للوصول بها إلى أعلى مدارج الكمال وبين معرفة الله تعالى. ويمكن توضيح ذلك من خلال مقدّمات ثلاث:
المقدّمة الأولى: إنّ الإنسان قد خُلق مفطوراً على حبّ الكمال. ومعنى كونه مفطوراً على حبّ الكمال وطلب تحصيله هو أنّ الإنسان في أصل خلقته قد خُلق على كيفية مخصوصة هي حبّ الكمال المطلق وطلبه, وهذا من قبيل الكيفية المخصوصة التي وُجد عليها الماء؛ فإنّ الماء قد فُطر ـ أي: خُلق ـ
على خصوصية السيلان, فالسيلان موجود في أصل تركيبة الماء وخلقته الأولى.
وهكذا الحال في المقام, فإنّ حبّ الكمال الذي فُطر عليه الإنسان يمثّل في واقعه درجة شديدة من وجوده، ولذا لا تكون الرغبة في الكمال قابلة للتعليل1، فهي أمرٌ ذاتيّ وحقيقيّ في أصل خلقة وتركيبة الإنسان، ومن الواضح أنّ الذاتي لا يُعلّل، فلا معنى للسؤال بعد ذلك عن سبب حبّ الإنسان للكمال2.
ثم أنّ هذا الكمال الذي فُطر الإنسان على حبّه وطلبه هو خصوص الكمال المطلق, وأنّ الكمال المطلق بالنسبة للإنسان هو نفس معرفة الله تعالى. فالكمال المطلق هو معرفته سبحانه, ومعرفته سبحانه هي الكمال المطلق بالنسبة للإنسان, والسّر في الإطلاق هو كونه معرفة لا حدّ لها ولا يمكن الإحاطة بها.
المقدّمة الثانية: إنّ هذا الحبّ بنكتة فطريّته لن يكون قابلاً للتبديل والتحويل والتغيير والتغيّر، وهذه الحقيقة ثابتة عقلاً ونقلاً. أمّا عقلاً فإنّ التبديل أو التحويل أو التغيير يعني فقدان الأصل؛ لأنّ حبّ الكمال ليس أمراً عارضاً على وجود الإنسان، وإنّما هو كيفيّة مأخوذة في أصل تركيبته ونشأته، فيكون افتراض عدمه افتراضاً لعدم الإنسان. وأمّا نقلاً فلقول الله تعالى: (فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ)3. وما دام الإنسان مفطوراً على حبّ الكمال وطلب الحصول عليه، فإنّ هذا الحبّ وهذا الطلب لن يتبدّلا أو ينطفئا أبداً، إذاً لا تبديل لخلق الله تعالى. وهكذا جرت سنّة الله في الإنسان كباقي سُننه في الكون خالدة باقية أبداً، (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً)4. فحبّ الكمال وطلب تحصيله هما سنّة الله سبحانه في خلقه، وهما من أصول الفطرة الأولى التي فطر عليها الإنسان، ولا ينتقض ذلك بما نشاهده من انحرافات جسيمة عن مستلزمات هذه الفطرة السليمة والصبغة الحسنة5، فذلك لا يُعدّ إبطالاً لها وإنّما هو استعمال خاطئ لها في غير ما أريد لها.

يقول السيّد الطباطبائي: (وأمّا الانحراف المشهود عن أحكام الفطرة فليس إبطالاً لحكمها بل استعمالاً لها في غير ما ينبغي من نحو الاستعمال، نظير ما ربّما يتّفق أنّ الرامي لا يصيب الهدف في رميته، فإنّ آلة الرمي وسائر شرائطه موضوعة بالطبع للإصابة إلاّ أنّ الاستعمال يوقعها في الغلط)6. فالفطرة باقية على أصلها وفصلها في حبّ الكمال والسعي لبلوغه، ولكن الإشكالية تكمن في تحديد المصداق. فالخطأ في تعيين المصداق المطلوب حقّاً يؤدّي إلى الانحراف، فيتصوّر البعض أنّ كماله المطلوب هو المال أو الجاه أو السلطان أو الملذّات أو…، فيغترف من ذلك الماء الأجاج ظنّاً منه بأنّه عذب فرات سائغ شرابه، فلا يزيده الشرب إلاّ عطشاً وقرباً من هلاكه. عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنّه قال: (مَثل الدُّنيا كماء البحر كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتّى يقتله)7.
المقدّمة الثالثة: إنّ الكمال غير المتناهي, مصداقه الأوحد هو الله سبحانه وتعالى. فالتأمّل في مجموع هذه المقدّمات ينتج عنه أنّ الإنسان إذا عرف الله تعالى فإنّه سوف يُحبّه بالضرورة، وذلك لأنّ حبّه لله تعالى انعكاس وترجمة فعلية لحبّ كماله الشخصي والذاتي، وهو طالب له ما دام فاقداً له حتّى إن كان مطلوبه يحصل عليه ضمن حدود ضيّقة في محلٍّ ما، فكيف إذا علم أنّ مطلوبه موجود بشكل مطلق غير محدود؟ فلا شكّ أنّه سوف يكون أشدّ طلباً له ورغبةً به.

من خلال ذلك يتّضح لنا أنّ مرحلة ومسيرة طلب الكمالات لن تنتهي عند حدّ معيّن ما دام الطالب محدوداً ـ وهو الإنسان في حدود بحثنا ـ والمطلوب مطلقاً. وحيث إنّ المعرفة بالشيء ـ في إحدى معانيها ـ هي الإحاطة به، فكيف يُحيط المحدود باللا محدود؟
لا شكّ أنّ أيّ إحاطة تعني محدودية المعلوم، ولعلّ هذا الطلب الحثيث المستمرّ واللا يقفي8 يفسّر لنا ـ من زاوية ما ـ الأنس واللذّة في تحصيل المطلوب غير المتناهي.
إنّ التناهي لا يعني محدودية المقام، وهذا سرعان ما يُفضي بصاحبه إلى دائرة مغلقة وعديمة الانسجام مع أصل الفطرة الطالبة للكمال المطلق.
ولكي يتّضح ما قدّمناه في تصوير المقدّمتين نضرب مثالاً حسّياً يعيشه الجميع، وهو أنّ أيّ واحد منّا إذا شخّص أنّ بقاء حياته واستمرارها متوقّفان على أكله وشربه وتنفّسه فإنّ حاجته إلى ذلك سوف تُفضي به إلى حُبّ الطعام والشراب والهواء؛ لأنّ جميع هذه الأشياء تحفظ له مطلوبه، وهو بقاء حياته. وكذا الحال فيما نحن فيه، فإنّ الإنسان بعد أن كان مفطوراً على حبّ ذاته وتحصيل كمالاته الذاتية فإنّه إذا شخّص أنّ الكمالات المفقودة لديه ـ وهي كثيرةٌ لا تُحصى ـ متوافرة وبدرجات غير متناهية في موجود مطلق غير متناه ـ وهو الله تعالى ـ فإنّه سوف يكون محبّاً لله تعالى، وكلّما زادت معرفته وإيمانه بغايته ومطلوبه صار أكثر طلباً له وأشدّ حبّاً (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للهِ)9.

فإذا انجلت الغبرة وعرف الإنسان هدفه وغايته ومحبوبه ومقصوده وآمن به فإنّه سوف ينطلق إليه بكلّيّته مُسخِّراً لذلك جميع طاقاته وإمكانيّاته وبذلك سوف ينفتح بقلبه وعقله وبصيرته على أسماء الله الحسنى وصفاته، فيزدان قلبه ويلهج لسانه بغير المتناهي في أسمائه وصفاته، ظاهرها وباطنها ( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً ما تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْماءُ الحُسْنَى )10. فما دمت منفتحاً ـ وهكذا كلٌّ بحسبه ـ على المعارف الإلهية الاسمائية والصفاتية، فسوف يكون همّك وشاغلك الأوّل ومذكورك الأوحد هو الوجود المطلق غير المتناهي الذي له المثل الأعلى في كلّ شيء؛ كلّ كمال وجمال، وكلّ حُسن وجلال، هو الله تباركت أسماؤه وصفاته.
وبذلك نخلُص إلى أنّ المعرفة بالشيء تُفضي إلى محبوبيّته ما دام يمثِّل كمالاً للعارف به والطالب له، وبقدر هذه المعرفة تكون المحبّة.
الإخلاص ثمرة الحبّ
في ضوء ما تقدّم ننتهي إلى نتيجة في غاية الأهمّية وهي أنّ الحبّ الذي تُورثه المعرفة سوف يُورث لنا أمراً آخر لابدّ منه وهو الإخلاص للمحبوب. فنحن نرى بالوجدان أنّنا نُخلص لمن نحبّه, وتزداد درجة إخلاصنا بازدياد درجة حبّنا له. وهذا الترتّب الطولي بين المعرفة والحبّ والإخلاص هو ترتّب ذاتيّ، وسنّة إلهيّة، ومسلك قرآنيّ منسجم تمام الانسجام مع فطرة الإنسان.

من خلال هذه المعارف الأوّلية الجليلة تتّضح لنا جُملة أمور ذات صلة بالسلوك الذي يجدر بالإنسان أن يكون عليه ـ وكما قيل: إنّ الأعراض تكشف عن جواهرها، والمعلولات تكشف عن عللها ـ نذكر شاهداً واحداً منها لعلّ فيه تذكرة للمؤمنين، وهو أنّ الأمراض المعنوية التي أحسبها أعراضاً لا أمراضاً ـ كما سيتّضح ـ تحكي لنا بنفسها ما نحن عليه من إخلاص, ثمّ من حبّ, ثمّ من معرفة بالله تعالى، كما هو الحال في الرياء والتكبّر وغيرهما. فالرياء طلب المحبوبية في قلوب الناس، حيث يُرائي المرائي الآخرين طلباً للمنزلة عندهم، فيكون الآخرون هم المقصودين بالعمل11، وهذا هو الشرك الخفيّ لا الجليّ12 ، أو الأصغر لا الأكبر، كما جاء ذلك في جملة من الروايات، حتّى أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله قد رُئي باكياً فسُئل عن سرّ بكائه، فقال: (إنّي تخوّفت على أمّتي الشرك، أما إنّهم لا يعبدون صنماً ولا شمساً ولا قمراً ولكنّهم يُراءون في أعمالهم)13. وعنه صلى الله عليه وآله أيضاً: (إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر). قالوا: ما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء14.
ففي الصلاة ـ مثلاً التي يجب أن يكون المتوجَّه إليه هو الله وحده ـ إذا قُصد بها وجه آخر طلباً للمنزلة والمحبوبية عنده فإنّ مثل هذه الصلاة تكشف عن عدم إخلاص صاحبها لله تعالى, وعدم إخلاصه هذا يكشف عن عدم حبّ لله تعالى، أو أنّه يكشف عن حبّ لا قيمة له، وعدم الحبّ كاشف بدوره عن عدم المعرفة بالله تعالى. وهذا الترتّب منطقيّ جدّاً، فالذي يقصد غير وجه الله تعالى في صلاته لا شكّ أنّه سيجد في ذلك الغير ما لم يجده في الله تعالى؛ ما يعني الجهل المُطبق وعدم المعرفة بالله تعالى. وأكثر من ذلك أنّه يكشف عن سفاهة؛ لأنّ الفاعل هنا يرى للغير من كمال ما لا يراه لله تعالى. بعبارة أخرى: يرى للموهوب له ما لا يراه للواهب نفسه! مع أنّ الواهب الحقيقي واجد لكلّ جمال وكمال وبأعلى المراتب، ولذا عبّرنا عن الأمراض المعنوية كالرياء والتكبّر ونحوهما بالأعراض الكاشفة بنفسها عن أمراض. فالرياء كاشف عن عدم الإخلاص ثمّ عدم الحبّ ثمّ عدم المعرفة بالله تعالى، وعدم المعرفة بالله هو المرض الحقيقي, وما الرياء والتكبّر ونحوهما من الموبقات إلاّ أعراض تحكي عن عللها.
وهكذا يمكن التدرّج في جميع المقامات التي نحن عليها، صحيحها وسقيمها، سلبها وإيجابها، لنعرف بذلك أيّ شأن ومكانة وموقع تتبوّؤه معرفة الله تعالى.

بقي أن نعرف كيف لهذا الحبّ المتولِّد من المعرفة الإلهية أن يكون مُورثاً للإخلاص، فذلك لأنّ محبّة الله تعالى تطهِّر القلب من جميع التعلّقات الأخرى أيّاً كانت تلك التعلّقات ـ ما لم تكن متعلّقة به وعائدة إليه ـ فيتوجّه القلب بكلّيته نحو قبلته وكعبته ومحبوبه، وهذا هو كمال الحبّ وتمامه حيث لا يُبقي الحبّ في قلب المحبّ شيئاً أو متعلّقاً لغير المحبوب ما (جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)15. فلا معنى للحبّ مع وجود الغيرية، ولا معنى للغيرية مع وجود الحبّ. يقول العلاّمة الطباطبائي: (وأمّا محبّة الله سبحانه فإنّها تُطهِّر القلب من التعلّق بغيره تعالى من زخارف الدنيا وزينتها من ولد أو زوج أو مال أو جاه، حتّى النفس وما لها من حظوظ وآمال، ويقتصر القلب في التعلّق به تعالى وبما يُنسب إليه من دين أو نبيٍّ أو وليٍّ وسائر ما يرجع إليه تعالى بوجه، فإنّ حبّ الشيء حبٌّ لآثاره)16.
فإذا وقع ذلك الحبّ الإلهي في قلب الإنسان فهو الجَنّة التي ينعم بها العبد في الدُّنيا قبل الآخرة، وهو الجُنّة التي تقيه من الوقوع في المعاصي والمهالك، لأنّ الحبّ الإلهي كفيلٌ بتوحيد إرادة المحبّ مع إرادة محبوبه فتكون إرادته مرآة تحكي إرادة المحبوب. وفي ذلك يقول الطباطبائي: (وإنّ المحبّة الإلهية تبعثهم على أن لا يريدوا إلاّ ما يريده الله وينصرفوا عن المعاصي)17.

فإذا سكن الله تعالى قلب المؤمن أو أقصر المؤمن قلبه على الحقّ تعالى وحده ولم يسمح للأغيار من الولوج فيه، استغنى العبد عمّا سوى الله تعالى وأغناه الله تعالى بمعيّته، وحقَّ لذلك القلب أن يكون حرماً وبيتاً خالصاً لله تعالى؛ (القلب حرم الله فلا تُسكن في حرم الله غير الله سبحانه)18.

وعندئذ يكون النظر إلى الملكوت من خلال نافذة القلب، بل سيكون ذلك القلب الطاهر ملكوت صاحبه ما دام الله تعالى فيه ومستحوذاً عليه، ولابدّ أن يكون قد اتّضح لدينا أسباب عدم حصول هذا النظر القُدسي للأعمّ الأغلب منّا؛ فذلك لما للشياطين من سبح طويل وفضاء فسيح في قلوبنا؛ (لولا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلـى الملكوت)19، فصارت تلك القلوب كمحافل السوء اكتظّت عندها الأغيار، (أوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُـجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ)20، مع أنّ هذه القلوب الإنسانية تفرّدت بأصل خلقتها وفطرتها عمّن سواها من قلوب سائر المخلوقات الأخرى بصيرورتها عرشاً أوحدياً للرحمن جلّ وعلا؛ في الحديث القدسيّ: (قلب المؤمن عرش الرحمن)21 و (لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن)22.

وإذا كان قلب المؤمن عرش الرحمن فلنا أن نفهم وجهاً آخر لقوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)23 فلا توجد فُسحة أو مجال آخر ولو بقيد أنملة للأغيار، وذلك هو القلب السليم الذي أريد منّا الإتيان به كما حكى عنه القرآن الكريم (إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)24، وقد سُئل الإمام الصادق عليه السلام عن ذلك فقال: (السليم الذي يلقى ربّه وليس فيه أحدٌ سواه)25. وقد سُئل الرسول الأكرم صل عليه وآله: ما القلب السليم؟ فقال صلى الله عليه وآله: (دين بلا شكّ وهوى، وعملٌ بلا سمعة ورياء)26. فتلك هي آفات القلوب ومُدسّسات البصيرة في التراب27.

وعن الإمام الصادق عليه السلام وهو يصف لنا القلب السليم بأوجز وصف: (هو القلب الذي سلم من حبّ الدُّنيا)28، ولذلك فإنّ (شرّ العمى عمى القلوب)29، بل (إنّما الأعمى أعمى القلب)30,وذلك تصديقاً لقوله تعالى: (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)31.

فالقلب نافذة مُشرعة إمّا تطلّ بصاحبها على الملكوت والساحة المقدّسة الأسمائية والصفاتية إن تفرّد القلب بحبّ الله تعالى وصفا له وتوحّد به، فيُبصر ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإمّا تطلّ بصاحبها على تلك الصحاري المجدبة والظلمات الموحشة إن تصفّحت عينا القلب وتنصّتت أذناه إلى الأغيار فتُكسَر بذلك مصابيح القلب وتُوقَر أذناه. روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله قوله: (ما من قلب إلاّ وله عينان وأذنان، فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح عينيه اللّتين للقلب ليشاهد بهما الملكوت)32. فإذا ما خُلّي القلب من الأغيار واختلى بمحبوبه الأوحد، سُقي شراباً طهوراً (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً)33 من كأس الحبّ والتطهير التامّ عمّا سوى المحبوب34، ويا له من شراب عذب سائغ ومن سُقي لا ظمأ بعده أبداً، ومن ساق أزال كلّ الوسائط عن محبّيه (وسقاهم ربّهم) فلا واسطة ولا مسافات تحجبهم عنه، وعندئذ يتميّز من كان يعبد ربّه حبّاً وشكراً عمّن كان يعبده طمعاً في جنّته أو خوفاً من ناره35، فلا يكون بينه وبين محبوبه حاجب ولا ساتر، وهذا هو معنى القرب والفوز العظيم؛ يقول الطباطبائي: (وهؤلاء هم المقرّبون الفائزون بقربه تعالى، إذ لا يحول بينهم وبين ربّهم ممّا يقع عليه الحسّ أو يتعلّق به الوهم أو تهواه النفس أو يلبسه الشيطان، فإنّ كلّ ما يتراءى لهم ليس إلاّ آية كاشفة عن الحقّ تعالى، لا حاجباً ساتراً، فيفيض عليهم ربّهم علم اليقين، ويكشف لهم عمّا عنده من الحقائق المستورة عن هذه الأعين المادّية العميقة، بعدما يرفع الستر فيما بينه وبينهم…) 36.

وبذلك نكون قد عرفنا أنّ المعرفة الإلهية هي الأصل الأصيل المورث للحبّ، وأنّ الحبّ بدوره يُورث الإخلاص في قلب المحبّ لمحبوبه. فعدم الإخلاص عدم للحبّ، وعدم الحبّ عدم للمعرفة الإلهية، (بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)37.
ــــــــــــــ
(1) انظر: كلمة حول فلسفة الأخلاق للأستاذ محمّد ¬تقي¬ اليزدي، مؤسّسة در راه حقّ، قم: ص28.
(2) ينقسم الحمل في علم المنطق إلى قسمين؛ الأوّل: حمل المفهوم على نفسه، مثل قولنا: الإنسان إنسان، والثاني: حمل المفهوم على مصداقه، مثل: زيد إنسان. الأوّل يُسمّى بالحمل الأوّلي، والثاني بالحمل الشايع الصناعي، وربّما سُمّي الشايع بذلك لكثرة استعماله، أي لشيوعه نتيجة حصول الفائدة الواضحة منه، بخلاف الحمل الأوّل.
وعليه فإذا حملنا البياض على نفسه وقلنا: البياض أبيض، فالحمل هنا حملٌ أوّليّ لأنّنا حملنا البياض على نفسه لا على شيء آخر، فالأبيضيّة هنا ليست شيئاً آخر غير البياض وإنّما هي حقيقة البياض وذاته، كما هو الحال بين زيد ونفسه، فنفس زيد هي زيد نفسه، وإذا كان الأمر كذلك فعندئذ لا يصحّ أن نقول لماذا صار البياض أبيض، لأنّ البياض لم يكن قبل الأبيضيّة شيئاً آخر لنسأل عنه، فلا توجد علّة لأبيضيّة البياض غير أبيضيّته نفسها، ومن هنا قالوا باستحالة التفكيك بين الشيء ونفسه؛ لعدم وجود اثنينيّة في المقام ولذا لا يُعلّل، أي لا يُسأل عن علّة أبيضيّة البياض، وهكذا لا يصحّ أن نقول: لماذا صار الماء ماءً، والأرض أرضاً… الخ.
وهذا غير قولنا: لماذا خُلق الماء، وخُلقت الأرض؟ كما هو واضح.
(3) الروم: 30.
(4) فاطر: 43.
(5) إشارة إلى قوله تعالى: (صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً)، البقرة: 138.
(6) الميزان في تفسير القرآن، للسيّد العلاّمة محمّد حسين الطباطبائي، نشر مؤسّسة إسماعيليان، قم: ج5 ص338.
(7) الكافي، مصدر سابق: ج2 ص137 باب ذمّ الدنيا، ح 24.
(8) كلمة مركّبة من الوقوف ونفيه، وتعني عدم التوقّف عند حدٍّ معيّن.
(9) البقرة: 165.
(10) الإسراء: 110.
(11) وهذا القصد ينافي الإخلاص الذي هو شرط في النيّة لنفي الأغيار، فالإخلاص هو (خلوّ القلب والنفس عند العمل من كلّ مقصد سوى المقصد الإلهي وتحصيل رضا الله سبحانه) انظر: فقه الأخلاق للسيّد محمّد الصدر رحمه الله ، الناشر أنوار الهدى، الطبعة الأولى، قم: ص47.
(12) لأنّ الرياء ليس من الشرك في العبادة وإنّما هو من الشرك في الطاعة. انظر: فقه الأخلاق، مصدر سابق: ص41.
(13) ميزان الحكمة، مصدر سابق: ج2 ص1019 ح6798.
(14) المصدر السابق: ج2، ص1019، ح6799.
(15) الأحزاب: 4.
(16) الميزان في تفسير القرآن، مصدر سابق، قم: ج11 ص175ـ 176.
(17) المصدر السابق: ج11 ص178.
(18) بحار الأنوار مصدر سابق: ج67 ص25 ح27.
(19) إحياء علوم الدِّين لأبي حامد الغزالي، نشر دار المعرفة، بيروت: ج 1، ص 232؛ بحار الأنوار، مصدر سابق: ج70 ص59.
(20) النور: 40.
(21) بحار الأنوار, مصدر سابق: ج55 ص39.
(22) المصدر السابق: ج55 ص39.
(23) الأعراف: 54.
(24) الشعراء: 89.
(25) أصول الكافي, مصدر سابق: ج2 ص16.
(26) ميزان الحكمة، مصدر سابق: ج3 ص2602 رقم الحديث: 16929.
(27) إشارة إلى قوله تعالى: {أمْ يَدُسُّهُ في التُّراب}. النحل: 59.
(28) ميزان الحكمة, مصدر سابق: ج3، ص2603، ح16931.
(29) أمالي الصدوق، لأبي جعفر محمّد بن علي المعروف بالشيخ الصدوق، نشر مؤسّسة الأعلمي، الطبعة الخامسة، بيروت: ص395.
(30) من لا يحضره الفقيه, مصدر سابق: ج1 ص379 ح1109.
(31) الحجّ: 46.
(32) تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضمّ للسيّد حيدر الآملي، تقديم وتحقيق وتعليق السيّد محسن الموسوي التبريزي، نشر المعهد الثقافي نور على نور، الطبعة الأولى، قم:= = ج1ص272.
(33) الإنسان: 21.
(34) عن الإمام الصادقعليه السلام أنّه قال في ذيل آية (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً): (يُطهّرهم عن كلّ شيء سوى الله). انظر: تفسير الصافي للفيض الكاشاني منشورات الأعلمي، 1982م، بيروت: ج5 ص165.
(35) عن الإمام الصادقعليه السلام أنّه قال: (العباد ثلاثة: قومٌ عبدوا الله عزّ وجلّ خوفاً فتلك عبادة العبيد، وقومٌ عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء، وقومٌ عبدوا الله حبّاً فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة). انظر: أصول الكافي، مصدر سابق: ج2، ص84، كتاب الإيمان والكفر، باب العبادة.
(36) الميزان في تفسير القرآن، مصدر سابق: ج11 ص176ـ 177.

 

http://alhaydari.com/


Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Google Plus